مستشارة الرئيس السوري اعترفت بمقتله.. وقالت ان التحقيقات مستمرة لمعرفة الجناة
اغتيال العميد محمد سليمان: السيناريوهات عديدة والصراع الداخلي أكثرها ترجيحا
07/08/2008
باريس ـ دمشق ـ 'القدس العربي': يتداول المراقبون المعنيون بالشأن السوري عدداً من السينايوهات التي قد تفسر، جزئياً على الأقل، واقعة اغتيال العميد محمد سليمان (49 سنة)، أحد أفراد الحلقة الضيقة المقربة من الرئيس السوري بشار الأسد، وأحد أبرز مستشاريه في ملفات واسعة النطاق، قد تبدأ من خيارات فنية محضة تخص تسليح وإعادة تحديث أسلحة الجيش السوري، ولكنها تمرّ أيضاً بقضايا أمنية ذات حساسية عالية لأنها تتعلق بالحلقة العليا الأضيق في السلطة، ولا تنتهي عند خيارات سياسية مفصلية تعتمد طرائق تنفيذها على ركائز أمنية دقيقة في المقام الأول. وليس غريباً والحال هذه أن تقفز عناوين مثل اغتيال المقاوِم اللبناني محمد عماد مغنية، أو قصف ما قيل إنه مشروع مفاعل نووي في منطقة دير الزور، أو حتى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، على سبيل تأويل اغتيال العميد سليمان. ولعل السيناريو الأضعف هو ذاك الذي يعزو العملية إلى ما بات يُعرف باسم 'الملف النووي السوري'، وبالتالي يتهم أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية باغتيال العميد سليمان. والعنصر الوحيد الذي قد يضفي مقداراً من المصداقية على هذا السيناريو غير المرجّح، هو أن تنفيذ العملية اتسم بدرجة عالية من الإحتراف (أي الاغتيال ببندقية قناص، من عرض البحر، وفي رابعة النهار)، تجعل أصابع الإتهام تتجه تلقائياً إلى الجهة الأكفأ في أداء هذا الطراز من العمليات.
السيناريو الثاني، وهو أكثر ترجيحاً من السابق، يشير إلى مسؤولية جيب استخباراتي إيراني، قد لا يستهدف الإنتقام لمقتل محمد عماد مغنية كما أشاعت بعض الأطراف، ولكنه غير بعيد عن الترتيبات الإيرانية السياسية والأمنية في الداخل السوري عموماً، وفي المؤسسة العسكرية والأمنية بصفة خاصة. ولقد توفرت في السنتين الأخيرتين معلومات ملموسة عن سياسة تغلغل منظمة تنتهجها المخابرات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني، وذلك لكسب تعاطف بعض الضباط السوريين في مستويات قاعدية (أي برتبة نقيب وما دون)، تحت غطاء المصالح الحيوية المشتركة بين دمشق وطهران، ومن منطلق عداء البلدين الإفتراضي لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة. ومن المعروف أن العميد سليمان كان بين الأكثر تشدداً في المطالبة بفرض رقابة شديدة على هذا النوع من بسط النفوذ الإيراني، ويتردد أنه أوصى في هذا المضمار بسلسلة إجراءات عملية حظي معظمها بموافقة الرئيس السوري، ولعلها اتخذت بعداً عملياً دراماتيكياً بعد زيارة الرئيس السوري إلى فرنسا. وبهذا، قد لا تكون المصادفة وحدها هي التي تقف وراء التزامن بين اغتيال العميد سليمان، وقيام الأسد بزيارة نوعية إلى طهران.
السيناريو الثالث، وهو الذي ينطوي على أكبر مقدار من احتمالات الترجيح المنطقية، يشير إلى صراع داخلي على النفوذ في المؤسسة الأمنية، بلغ مرحلة متفجرة لم تعد تسمح بالتعايش أو التقاسم، وصار بالتالي يحتم الإزاحة التامة من المشهد، حتى بوسيلة التصفية الجسدية وليس الوظيفية. ولقد تردد، في الآونة الأخيرة وبعد اعتكاف اللواء آصف شوكت رئيس جهاز الإستخبارات العسكرية وصهر الرئيس السوري، أن العميد سليمان يتولى شخصياً موقع ضابط الإرتباط بين المكتب الأمني الخاص في رئاسة الجمهورية، ومختلف مؤسسات الإستخبارات العسكرية وضباط الصف الأول فيه. وصار معلوماً، سواء عن طريق الإيعاز الشفهي أو حتى الأوامر الرئاسية المكتوبة، أن العميد سليمان هو المرجعية المباشرة في منح الترخيص الرئاسي لأي إجراء أساسي تعتزم الإستخبارات العسكرية اتخاذه.
ولقد كان عدد من الصفات التي تطبع شخصية العميد سليمان، وفي طليعتها ميله الشديد إلى التكتم وتحاشي الظهور وتفضيل العمل في الظل والنأي عن الأضواء، قد لفتت أنظار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في طور مبكر، فأوصى بتقريبه من نجله باسل الأسد، وريثه المرشح الأول الذي مات في حادث سيارة مطلع العام 1994، الذي كان يميل إلى سليمان أصلاً منذ أطوار زمالتهما في الكلية الحربية. إنها أيضاً الصفات التي جعلت بشار الأسد يقرّبه منه أثناء سنوات قيادته للحرس الجمهوري، قبل وراثته السلطة من أبيه في حزيران (يونيو) 2000، حتى لقد تردد أن العميد سليمان كان الدماغ الفعلي وراء خلية العمل الأمنية ـ العسكرية التي أدارت شؤون البلاد في الأسابيع القليلة التي أعقبت وفاة الأسد الأب وتعديل الدستور بما يناسب تولية الأسد الابن في تموز (يوليو) تلك السنة. وهكذا كان العميد سليمان يجمع بين مزاج العمل في الظل، والعزوف عن تولي المنصب المباشر، والولاء المطلق لأبناء حافظ الأسد، فضلاً عن الإنفتاح الاجتماعي (زوجته من مدينة دير الزور، ذات الأغلبية السنية التي عُرف عنها التعاطف الشعبي مع نظام الرئيس الراحل صدام حسين)، وغموض المواقف السياسية أو العقائدية، وسرّية الصلات بالصف الأول من أهل السلطة.
وأياً كانت الحقائق خلف اغتياله، فإن غياب العميد محمد سليمان يشكل خسارة فادحة للرئيس السوري بشار الأسد، سواء على الصعيد الشخصي أم على مستوى ما كان الأسد يزمع إعادة ترتيبه في هياكل وكوادر المؤسسة الأمنية، قبيل دخول النظام في أطوار قادمة من خيارات اقليمية حاسمة، قد يتضح أن أحلاها أمرّ مما سبق.
واكدت بثينة شعبان المستشارة السياسية والاعلامية للرئيس السوري بشار الاسد امس الاربعاء اغتيال العميد محمد سليمان الذي اكتفت بوصفه بانه 'ضابط في الجيش السوري'، مؤكدة ان التحقيق جار في هذه القضية.
وقالت شـــــعبان في لقاء مع الصــــحافيين ان 'سليمــــــان ضابـــط في الجيش العربي السوري وقتل في حادث جريمة اغتيال والتحقيق ما زال جاريا حتى الآن'.