غرفة واسعة، كئيبة الملامح، باردة المعالم، يمنع من دخولها إلا من كان عاملا بها،
يسمونها غرفة الإنعاش، لكن، نادرا ما يخرجون منها أحياء ...
جسد مرمى على سرير فاخر، لكن واقعه أمر من أن يهتم بالمظاهر،
الأمراض تنهش جسده من كل جانب، و الآفات تنخر عظامه دون رحمة،
يتوجها الموت مرفرفا بأجنحة حريرية حول ذاته الوهنة، مترقبا لحظة الانقضاض ...
فجأة انتفض الجسد المعذب، ملأت إشارات التنبيه الفضاء،
و كأن الحياة تتوقف حين يفتح هو عينيه...
تقدم نحوه بثقة، حقنه بمخدر قوي، عاد المكان ليغرق في سكونه...
و عاد الآخر ليتم أعماله ....
تأملوا
منظر اعتدت مشاهدته، لكنني لأول مرة أتأمله بعمق ... فتأملوا معي ...
الأمة العربية الإسلامية، جسد عليل خائر القوى، تتناوبه الآفات،
و تتداوله الأوبئة، جسد ألف السقم، و تعود الانتكاس...
بكى حتى جفت دموعه، صرخ حتى تمزقت حباله الصوتية،
ثم جاؤوا و حقنوه بأقوى أنواع المخدر '' ليستريح ''
أو بالأحرى ليريح العالم من الأنين و التأوه ...
كلما صرخ العرب كفى، قام أطباء العالم بحقنهم بجرعة من المخدرات المعنوية
ليعودوا للرقاد ...
و حتى إن أفاقوا، غلبهم الوهن، و اكتفوا بنظرات توسل،
ثم غرقوا من جديد في كآبتهم الخرساء ...
نعم خدرونا و لا يزالون يحضرون لنا الخلطات العجيبة، و كلما انتفضنا رفعوا الجرعة ...
لنعد قليلا إلى الوراء و نتذكر معا ...
غيروا المسميات فصار كل شيء مباحا ...
صرخنا: النفاق علة الأمة ...
خدعونا و خدرونا بقولهم: كن مسلما فهي حريتك الشخصية،
لكن بإمكانك أن تكون علمانيا و تفصل دينك عن دنياك حتى تواكب العصر...
صرخنا: هم كفار و لعنة الله على الكافرين ...
أجابونا: لم الكراهية و الضغينة؟؟ أنتم عرب و هم غرب ...
صرخنا: لا للبدع، كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار...
ألجمونا: لا تقولوا مبتدع، بل هو مفكر يحلل الأمور بتحضر...
ثم سكتنا و عدنا لسباتنا و الأحلام تراودنا تارة و تتلاعب بنا الآمال تارة أخرى
و نحن نردد في نفوسنا: لكل زمن متطلبات، و نحن في زمن العولمة ...
فجأة صحونا على مصيبة جديدة، حرب شرسة على الإسلام و المسلمين:
منع الحجاب و رفع الأذان في المساجد، ثم جاءت الرسوم الدانماركية لتزيد الطين بلة ...
كملاحظة فحسب: محمد صلى الله عليه و سلم سيد الخلق و المرسلين،
كرمه الله تبارك و تعالى ، و لا يمكن لأحد مهما كان أن يمسه بسوء،
قال الله تعالى '' و إنك لعلى خلق عظيم''
لكن السموم التي نشرت كانت دليلا على قدرتهم العالية الخبيثة على التدليس
و التحريف و تعتيم الحقائق ...
صرخنا حينها : إلا محمد صلى الله عليه و سلم...
خدرونا بعبارات بسيطة متقنة الصنع: هي حرية في التعبير، عبروا كما شئتم ...
فأجبنا: لعنة الله على اليهود و هم ملعونون منذ الأزل ...
علموا أنا لن نستطيع الإساءة إلى موسى أو عيسى، فهم أنبياءنا عليهم السلام ...
كيف لا و هم أطباءنا، يعرفون كل علة تعترينا فيتفننون في اختراع الأدوية
و المخدرات المعنوية التي تطيل أمد السقم، بصمت ...
لكن الطامة أعظم و البلاء أكبر، ففي خضم الكوابيس الموجعة التي نتخبط فيها واقعا،
يقوم البعض منا – ممن صار المخدر مختلطا بدمائه فلا يستطيع العيش بدونها –
بالدفاع عن عقائد تكفيرية و أعمال إجرامية، رافعين راية '' حرية الفكر و الاعتراف بالآخر''،
و هم لا يدرون أنهم مجرد دمى مسيرة بأصابع خفية تتجسد في ما يسمى ديمقراطية...
كلها شعارات لا تحمل في طياتها إلا معنى واحدا '' اتبع هواك و افعل ما شئت ''
و الهوى هو الإله الأخطر و الصنم الأعظم... قال تعالى : '' أرأيت من اتخذ إلهه هواه ''
يا للسخرية ‼ يتغنون بالديمقراطية و حقوق الإنسان
و هم يقتلون أبناءنا و أهلنا دون رحمة...
و حين نقول لا للديمقراطية فهي معارضة لديننا و عقيدتنا يقولون:
الديمقراطية تمنحكم الحرية و أنتم شعوب مضطهدة،
ثم أسكتوا أنيننا حين قالوا: الديمقراطية هي نفسها الشورى باسم مختلف...
لكن شتان بين اليباض و السواد فأين من يبصر؟؟
و بعد كل هذه الإساءات و الجرائم، يتوجه إليهم قوادنا،
يطرقون أبوابهم مفتخرين بانفتاحهم و اعترافهم بالآخر ...
إنه التحضر و حوار الديانات ...
ما أغباهم ‼ نعم ما أغباهم و ما أتعسنا نحن الناظرين إليهم،
مكبلين غير قادرين على ايقاف ترهاتهم و تهورهم...
بالله عليكم، هل من مجال للمقارنة بين ديننا و دينهم ؟؟؟
هل من مجال للمقارنة بين دين الله و ديانات محرفة بخيالات البشر؟؟؟
هل من مجال للمقارنة بين من يعبد الله و من يعبد هواه؟؟؟ من يعبد نارا و بقرا ؟؟؟
حاشى لله ...
هل من مجال للمقارنة بين من يعمل للآخرة و من تتوقف حياته حين يخسر بضع قروش ؟؟؟
أيها الأحبة... ديننا قوامه الصدق و الوضوح و لا يقبل التنازلات ...
فلم نقبل بحوار ديانات يساوي الإسلام بديانات باطلة... و لم نذهب نحن إليهم ؟؟؟؟؟
نحن على الحق فلم نتنازل لأجل الباطل ؟؟؟؟
ثم تطل الزيارة التاريخية للفاتيكان، ذلك اليوم الذي نقش في التاريخ
بحروف من دماء العرب و المسلمين و دموعهم ...
حين صرخنا لماذ؟؟؟
خدرونا و قالوا: ''تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم''
قال تعالى : '' قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ''
(آل عمران64)
صمتنا و نسينا :'' لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله''
ربما تكون هذه بداية النهاية للتطرف الديني و الإرهاب ...
لكن و نحن في أحلامنا لنسأل أنفسنا من المتطرف و من الإرهابي...؟؟
لك الله يا أمة محمد صلى الله عليه و سلم ...
و مهما طال الليل ستشرق شمس الإسلام و تضيء العالم ...
و التغيير يبدأ بكل واحد منا ...
لست هنا لأقدم وعظا بليدا و إرشادا سقيما ... لكنني أحببت التخفيف عن نفسي...
فتحملوني أحبتي في الله ...
نقلته لواقعيته