حياكم الله إخوانى وأخواتى
ما أجمل الصيام .. ففوق أنه عبادة وطاعة فهو أيضا صحة للجسد و فرصة لإعطاء الجهاز الهضمى فى الإنسان لنيل قسط من الراحة من طول العمل خلال العام ...
ويهل علينا شهر رمضان الكريم هذه السنوات تقريبا مذكرا إياى بأولى محاولاتى فى الصوم .. فكم كنت أشتاق وأنا طفل صغير لم أكمل عامى السادس أن أصوم كأهل بيتى وأقرأ القرآن بصوت رخيم وفى خشوع كوالدى .. وأن أتناول الطعام والشراب بفرحة عظمى بعد صلاة المغرب بعد طول جوع وعطش فى أيام الحر القائظ .. وأن أقوم للسحور قبيل الفجر وصلاة الفجر فى جماعة كالرجال .. ولم يكن وقتها - فى سبعينيات القرن الماضى - هذا الالتزام الدينى الموجود لدينا الآن .. فكانت هذه التصرفات كلها تشعرنى وأنا طفل أننى متميزا وأننى قد أصبحت رجلا يفعل ما يفعله الكبار ..
وخشيت أمى - رحمة الله عليها - أن أتأثر بالصيام وقتها .. فعقدت معى اتفاق مفاده أن أول يوم صيام لى سيكون حتى صلاة الظهر ثم نتدرج فى الوقت حتى يصبح عند صلاة العصر إلى أن تأتى العشر الأواخر فيكون الصيام حتى المغرب .... فاعترضت على ذلك لأنى لم أرى أبى يفعل هكذا أو خالى أو عمى .. فهونت - عليها رحمة الله - الأمر على وقالت أن الأطفال لهم صوم خاص بهم حتى يكبروا فيصوموا كالكبار ..
طبعا هذا التعليل والتبرير لم يلق القبول لدى .. فسألتها عن اسم هذا الصوم لأننى لم أسمع إلا عن صوم رمضان فقط .. فأجابتنى - طيب الله ثراها - بأن اسمه ( صوم المخدة ) وقالت { تصوم صوم المخدة .. كل ما تجوع تتغدى } .
لم ترد أمى أن تزجرنى بمنعى عن الصيام نهائيا ، ولم ترد ألا تعلمنى التدرج فى إتيان العبادة .. وهكذا كان ديدن أمى رحمها الله معى فى أسلوب التربية .
وأنا اتبع نفس الأسلوب مع أولادى فى هذه الأوقات حيث أن وقت الصيام لهم سيعادل تقريبا وقت الصيام لى عندما كنت فى مثل عمرهم .. فمن المعلوم أن الشهر الهجرى يتقابل مع نفس الشهر الميلادى كل 33 عام .
وإننى إذ أرى أن التكاليف بالعبادات والطاعات إذا أردنا من أولادنا أن يقبلوا عليها بنفس راضية حتى ولو كانت شاقة عليهم فيجب علينا نحن الآباء والأمهات أن نلزمهم بها على سبيل التدرج ، ولنا فى ذلك أن نتخذ نفس المنهج الإسلامى كما جاء بالقرآن الكريم فى التدرج حتى فى المحرمات .. فعلى سبيل المثال وكما تعلمون أن تحريم الخمر فى القرآن لم ينزل مرة واحدة .. إنما جاء التحريم على مراحل فبدأ بأن يلمح أن فيها إثما كما فيها منافع ولكن الإثم أكبر من النفع ، ثم نهى الذين آمنوا بالدين الجديد وقتها من أن يقربوا الصلاة وهم شاربين الخمر ، ثم أنزل التحريم القطعى بعدها أخيرا وأوضح أنها رجس من عمل الشيطان ويجب الامتناع عنه .
الحديث يطول والذكريات تعن على الخاطر كلما أتى شهر البركة ، وإنى لأدعو الله أن يبلغنا رمضان ونحن إلى طاعته أقرب وإلى فعل الخيرات والفوز بالجنة أرغب وفى خير لا ينضب ، وكل عام وحضراتكم والأمة الإسلامية بخير وعزة وكرامة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من ايميلى 