بمجرد أن أعلن الأسبوع الماضى عن النية فى احياء البرنامج النووى المصرى وانعقاد المجلس الأعلى للطاقة بعدها بيومين انفتحت أبواب من جحيم التعليقات من الصحافة ومراكز البحوث الاسرائيلية والأمريكية على السواء.. ووصل الحال الى قيام مركز ميمرى الاسرائيلى أو مركز بحوث اعلام الشرق الأوسط بإعداد دراسة مفصلة عن القدرات النووية المصرية وتحليل أسباب التغير المفاجئ فى قرار الرئيس مبارك فى إعادة إحياء البرنامج النووى الذى كان قد توقف فى عام 1984. كما قام موقع واى نت نيوز بنشر تقرير تحت عنوان أسرة مبارك الحاكمة تخوض سباقا للتسلح النووى والمعروف أن ميمرى وواى نت نيوز مرتبطان بجهاز المخابرات العامة الاسرائيلية الموساد ومن حين لآخر يقومان بنشر معلومات سرية من خلال مواقعهما عما يدور فى البلاد العربية وخصوصا مصر.
وقد انطلقت التحليلات الاسرائيلية فى رد فعلها السريع من عدد من الافتراضات على رأسها أن هذا الاعلان عن إحياء برنامج مصر النووى من خلال المؤتمر الأخير للحزب الوطنى قد يكون مجرد خدعة لتلميع جمال نجل حسنى مبارك واكسابه شعبية على مستوى العالم العربى وخصوصا انه هو أول من أطلق الاعلان عن إحياء هذا البرنامج علاوة على أنه قام وفى نفس الاعلان بالهجوم على المشاريع الأمريكية الخاصة بإعادة اسم الشرق الأوسط. إلا أن التحليلات الاسرائيلية كلها اتفقت فى شيء واحد وهو التحذير من خطورة اقدام مصر على تدشين برنامج نووى وذلك برغم التصريح الذى أدلى به رئيس الوزراء إيهود أولمرت لصحيفة جيروزاليم بوست وأشار فيه الى انه ليس قلقا من أى برنامج نووى مصري.
ويقول موقع واى نت نيوز الاسرائيلى كان من المستغرب أن يقوم ابن مبارك بالإعلان عن التوجه الجديد بإحياء برنامج مصر النووي. ومن الواضح أن هذا الاعلان قد جاء كخطوة على سبيل التمهيد لابن مبارك لكى يرث السلطة من والده ولمعرفة النظام أن أغلب المصريين غير راضين عن هذا التزايد الكبير فى نفوذ الابن. ويضيف الموقع قائلا إن التحذيرات التى انطلقت من اسرائيل ومن أماكن أخرى حول العالم حول الصراع الجارى فى الشرق الأوسط الآن لم تكن تكمن فى أن آيات الله فى ايران قد يطورون برامجهم النووية لإطلاق صواريخ على اسرائيل ولكن فى أن مشروعهم الحالى قد يغرى بلادا أخرى فى الشرق الأوسط على دخول سباق من أجل الحصول على التكنولوجيا والتسلح النووي. وما فعلته مصر مؤخرا هو الخطوة الأولى فى هذا السباق والذى يطلق عليه اسم سياسى هو الطاقة النووية من أجل الأغراض السلمية وقد تصدر جمال مبارك الحديث عن البرنامج النووى المصرى فقال إن مصر ليست البلد الوحيد الذى يفكر فى بناء مفاعلات نووية من أجل الطاقة وهناك بلاد أخرى سبقت مصر فى هذا المضمار علاوة على أن مصر موقعة على معاهدة منع الانتشار النووي. ولكن لم يكد يجف الحبر عن التقارير التى نشرت هذا الكلام حتى تبين أن هناك نوايا جادة فعلا لدى مصر فى السير فى هذا الطريق. حيث تم بسرعة عقد المجلس الأعلى للطاقة الذى لم يجتمع منذ 18 عاماً وقرر بناء 3 مفاعلات نووية مصرية يتم إكمالها بنهاية ال 13 عاما القادمة وان تكلفة المفاعل الواحد سوف تصل الى 2 مليار دولار وستكون قدرة كل مفاعل 600 ميجاوات. والغريب أن هذا الاعلان فى وقت قامت فيه البلاد العربية وعلى رأسها مصر بالتقدم الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإصدار قرار يدين اسرائيل على برامجها النووية التى تمثل تهديدا ومما لا شك فيه أن نية مصر لدخول مجال الطاقة النووية سوف يحفز بلادا أخرى مثل السعودية للانضمام لهذا السباق وهذا ما تخشاه اسرائيل.
أما موقع ميمرى فيقول إن إعلان مصر عن إحياء البرنامج النووى جاء فى إطار الزخم الجارى داخل الحزب الحاكم لتوريث السلطة ووصل الحال بأحد المقربين من ابن مبارك وهو رجل الأعمال حسام بدراوى بالإعلان عن أن كل حزب سياسى يتعين عليه الاحتفاظ بكادر من القيادات المستقبلية لتولى شئون الحزب والبلد وجمال مبارك هو أهم هذه الشخصيات والقيادات الموجودة الآن فى الحزب ويقول الموقع ان اسرائيل يجب أن تحلل ما الذى دفع الرئيس مبارك لتغيير توجهه نحو البرامج النووية. هل هو مجرد اكساب ابنه المزيد من الشعبية فى سبيل التوريث أم أن الأمر أكبر من هذا. فالمعروف أن مصر كانت قد أكدت أكثر من مرة على لسان الرئيس مبارك عدم وجود أى نية لتطوير قدرات نووية استراتيجية وخصوصا بعد توقيعها على اتفاقية عدم الانتشار النووي.
أما أسامة الباز مستشار مبارك فقال اذا شعر العرب بأن إسرائيل أصبحت تمثل تهديدا لا يحتمل فإن خيارهم المممكن هو السلاح النووى أو تطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية. أما عمرو موسى الذى كان وزير خارجية فى ذلك الوقت فقال إن الشرق الأوسط لا يمكنه التعايش مع دولة واحدة نووي. ويقول موقع ميمرى إن اسرائيل تعرف أن مصر تمتلك المتطلبات الثلاثة اللازمة لامتلاك برنامج نووي: القدرات العلمية والتكنولوجية القدرات الاقتصادية والرغبة والارادة السياسية. الشرط الأخير كان مفتقدا حتى وقت قريب والآن أصبح موجودا. ويقول فوزى حماد الذى رأس هيئة الطاقة النووية المصرية فى الاعوام 1990 - 1994 فى كل المؤتمرات التى أحضرها كانت كل البلاد تسألنى لماذا لا تنتجون اسلحة نووية وكانت أجابتى أن هذا غير ممكن لانضمامنا للمعاهدة ولكن أقول انه بإمكاننا الانضمام للنادى النووى لو امتلكنا الارادة السياسية اللازمة. وقد ظهر كتاب أصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فى 2001 انتقد فيه النظام بشدة لتوقيعه على معاهدة منع الانتشار النووي. ويقول موقع ميمرى إنه بعد عام 2000 و2001 كانت كل الآراء والتصريحات الرسمية المصرية تستبعد بتاتا أى امكانية لمصر لدخول البرنامج النووي. فمثلا قال مبارك فى ابريل 2001 بصورة قاطعة لا يوجد تفكير لدينا الآن بتاتاً لإقامة محطات طاقة نووية لانتاج الكهرباء لأننا لدينا كميات كبيرة من الغاز الطبيعى تزداد من عام لعام ولأن الرأى العام المصرى لا يرحب بإنشاء تلك النوعية من المحطات النووية.
إلا أن مركز ميمرى يعود ويقول إن السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تشهد ظهور لوبى مصرى من السياسيين والصحفيين وقيادات الجيش السابقين وحتى من المؤسسة الدينية وكلها تطالب بإعادة إحياء البرنامج النووي. من السياسيين هناك الدكتور مصطفى الفقى رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصرى والذى كان قبل ذلك ممثلا لمصر فى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. قام الفقى بنشر مقالين فى 2002 فى الأهرام قال فيهما إن دعوة مصر لإخلاء المنطقة من السلاح النووى لم يعد لها معنى الآن مع تدهور الأوضاع فى الشرق الأوسط يجب أن نعود ونفتح الملف النووى لأنه يبدو أن وقت طويل سيمر قبل أن تحدث تسوية فى الشرق الأوسط. وقال الفقى إن هناك قرارا اسرائيليا بالحيلولة دون امتلاك أى دولة شرق أوسطية للسلاح النووى ولكن هذا أصبح صعبا بعد أن أصبحت التكنولوجيا النووية ليست سراً.
أما العسكريون المصريون السابقون ومنهم اللواء سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان اثناء حرب 1973 فقال إن السلاح النووى هو لغة القوة وبإمكاننا على مدار 10 سنوات وبمبلغ لا يتعدى 10 مليارات دولار أن نتحول الى دولة نووية تخلق توازنا مع اسرائيل واتفق مع الشاذلى فى الرأى محمود خلف أحد القادة السابقين للجيش الثالث المصرى وكذلك اللواء صلاح حلبى الرئيس السابق للهيئة العربية للتصنيع وقد ذكر أمام المجلس المصرى للعلاقات الخارجية أنه طالما لم تستطع مصر اخلاء المنطقة من السلاح النووى الاسرائيلى فلا مفر أمامها من تبنى الخيار النووى أما الصحفيون فكان أكثرهم مكرم محمد أحمد وسلامة أحمد سلامة فى المطالبة بالخيار النووى وقد دعيا لخروج مصر من معاهدة الانتشار النووى باعتبارها خدعة والانطلاق نحو تحقيق الردع مع اسرائيل. أما المؤسسة الدينية ففى مؤتمر عقد فى جامعة أسيوط تحت عنوان مستقبل الطاقة النووية فى عام 1999 دعا شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوى لامتلاك القوة النووية لرد الباغى والمعتدى وأصدر فتوى تؤكد أن امتلاك السلاح النووى واجب دينى وانضم لطنطاوى الشيخ يوسف القرضاوى المقيم فى قطر.
من كل هذه المنطلقات والضغوط يستخلص موقع ميمرى أن الإعلان مؤخرا عن إحياء البرنامج النووى المصرى يهدف لأكثر من غاية: تلميع ابن مبارك ووريثه المحتمل فى الحكم والضغط على الولايات المتحدة للضغط على اسرائيل والتهديد بالتحول نحو الصين وروسيا لامتلاك هذا البرنامج.
منقول
ضـ،د الحـ،ب انتظرو التوقيع قريبأ:confused: