كان الزحام شديد جدا داخل عربات الدرجة الثالثة في القطار كان أحدهم واقفا يجول بنظره يمنة ويسره لعله ان يجد مكانا خاويا يجلس فيه او فرجة اكثر اتساعا يقف فيها
كانت الرحله لا يزال امامها عدة ساعات كي تنتهي
استرعي انتباهه شيخ ذو لحيه بيضاء مهذبه ذو وجه يوحي بالصلاح واقفا ممسكا بمصحفه يقرأ فيه وكأنه في عالم اخر
استمر في مراقبة الشيخ الذي يبدو من ملامحه انه قد تجاوز الستين من عمره وبالرغم من ذلك لم يجده يبحث عن مكان يجلس فيه او حتي يزاحم الناس كي يحظي بمقعد يجلس فيه او مكان واكثر اتساعا
لم تمض دقائق حتي قام احد المسافرين من مجلسه متأهبا للنزول في المحطة المقبله ....سرعان ما وجدها الشاب فرصة وزاحم الناس حتي جلس هو في المقعد
دقائق اخري وبدأت المقاعد تخلو من ركابها ولا يسترعي انتباهه الا هذا الشيخ المشغول بقراءة القران تارة وتدوين بعض الملاحظات في مفكرته تارة اخري واستغرب لهذا الرجل الذي ما زال واقفا ولا يحاول ان يجلس علي احد المقاعد التي تخلو لثواني من المسافرين قبل ان تشغل من الركاب الجدد
فكر الشاب وظن ان الرجل لا يدري او انه ممن ليس معهم تذاكر سفر ولا يحب ان يحرج نفسه ..فقام اليه ودار هذا الحوار بينهما
الشاب : السلام عليكم
انتبه الشيخ ورفع راسه من المصحف وابتسم رادا علي الشاب السلام
الشاب : تفضل سيدي مكاني في هذا المقعد فأنت صار لك ساعات وانت هكذا
وجد الشيخ بغيته واحب ان يزاول مهنته التي لم يدعها ابدا
الشيخ : لا يا بني فانا سأنزل قريبا تفضل انت واجلس
مرت المحطات تلو الأخري والشيخ لم ينزل والقطار يزدحم اكثر ولم يفهم ابدا اماذا يفعل الشيخ هكذا
ذهب اليه وقال
سيدي ارجوك اجلس مكاني فانا اعتقد انك قد تعبت
الشيخ : اي بني دعها لغيري هم احوج بي منها
الشاب : سيدي ليس هناك احوج منك فأنت.....
الشيخ : تقصد انني شيخ عجوز ....لهذا لن اجلس فقد جلست كثيرا وهذا دوركم للجلوس وكما قلت لك فأنا متأهب للنزول منذ ان ركبت
الشاب : والتعب يا سيدي
الشيخ : اي بني انه كلما زاد تعبي في قطاركم كلما خف تعبي عندما انزل
الشاب : ماذا ؟ كيف؟
الشيخ: انا مقدم علي كريم قوم كلما عرف مدي تعبي حين سافرت اليه كلما زاد احتفاله بي واعطاني اكثر ممن جلس وارتاح
الشاب : ومن سيعلمه انك تعبت او ارتحت
الشيخ : لقد اعطاني مالا كي انفقه في سفري فقمت بتقسيمه علي اخواني المسافرين معي واجلستهم في الدرجات الأولي من القطار ثم تركت الباقي القليل الذي سيبلغني اليه وسيسألني عن المال وماذا فعلت به وسيعلم هل انا استرحت ام تعبت
الشاب :سيدي ..لو انا مكانك لأتفقت المال كله علي نفسي ولركبت الدرجة الأولي من القطار وعندما اذهب اليه سأدعي انني تعبت
ابتسم الشيخ تعبا وعلم ان الشاب لن يفهم ولكن ليس هناك وقت فقد وقف القطار في المحطة التي سينزل فيها الشيخ وهم بالنزول
الشاب : سيدي ...وأمتعتك
الشيخ بني كن خفيف المحمل قليل الزاد تصل بسرعه
علم ان الشاب ايضا لم يفهم استدار اليه وناداه اي بني
القطار الدنيا..........والمسافرين هم المكلفين ...ودرجات القطار هي درجات الدنيا....ومن اقصده واعطاني المال هو الله وانا مسافر اليه............واخواني الذين اعطيتهم المال فهم الفقراء ......ونزولي من القطار هو خروج روحي ........وانت قاطع طريق او ملهي
تسمر الشاب في مكانه وفهم
اعطاه الشيخ مصحفه فأمسكه الشاب ووقف في مكان الشيخ وبدأ يقرأ القران حتي جاءت محطته
النهر
23 رمضان