في كثير من الاحاديث التي جمعتني مع الاصدقاء , كنت ابين دائماً عدم قناعتي بتحمل المرأة المسؤولية المطلقة وتشكيكي بصحة مساواتها مع الرجل , فالمرأة , وحسب اعتقادي , كائنٌ رهف الاحاسيس وجياش المشاعر , قد يصعب عليها ان توازن بين العواطف والمصالح في حال وضعا في الكفة نفسها... هكذا كان رأيي " المنحاز " الى وقت قريب , ولاجله خسرت الكثير , وحزت على الكثير من الالقاب , فاصبحت رجعيا تارةً , ومتسلطاً تارة اخرى , وجاهليا في بعض الاحيان!!
ولكن وبعد قرائتي المعمقة لسيرة حياة ( كونداليزا رايس ) , تلك الفتاة السوداء القادمة من بلاد العم سام , والتي ولدت في كنف عائلة فقيرة حتى استوت علما من اعلام السياسة الحديثة ... عندها ادركت تماما خطأ اعتقادي السابق , وايقنت ان للمرأة القدرة الواسعة والاهلية التامة لتحمل المسؤولية بما يوازي او يفوق الرجال في بعض الاحيان.
السيدة رايس كانت من قبل مستشارة للامن القومي الامريكي , وهو منصب كبير لا يستطيع ابرع الرجال القيام بمهامه على وجه كامل , والسيدة رايس الان وزيرةً للخارجية الامريكية وهي _وكما يصنفها المعهد الامريكي للسياسة الخارجية_ اكفأ من شغل هذا المنصب منذ وقت طويل جداً.
في زيارتها الاخيرة للعراق , دعت السيدة رايس "رجال" السياسة العراقيين الى العمل على وقف العنف والانشغال بمصلحة البلاد العليا والابتعاد عن التناحر.
لقد كان درس رايس رسالة لكل السياسيين "الرجال" في العراق بان الانسان لا يقاس بعدد افراد حمايته , ولا بفخامة ممتلكاته الشخصية , ولا بحجم العمامة التي يرتديها , ولا بسعر البدلة التي يباهي بها الاخرين , ولا بحدة خطابه الطائفي , بل ان رايس بينت ضمنياً , وكمرأة تتمتع بسيرة حياة حافلة , ان الانسان يقيّم بافعاله وبجهده , من غير الالتفات الى كونه رجلاً او امرأة , ومن دون التفكير بهويته القومية او الطائفية او العرقية.
لقد احيت رايس من جديد الامل بمجتمعٍ يفضل الافراد المكافحين على القاعدين , وشحذت همم الكثيرين ممن يؤمنون بمجتمعٍ مدني قائد , لا فرق فيه بين رجلٌ او امرأة الا بالجهد والعمل.
لقد جلس "رجال" السياسة العراقيون صاغرون امام السيدة رايس , لأنها ببساطة ... مثالٌ للفرد المناضل الذي آمن بمباديءٍ ما ولم يغيرها اطلاقا , فكانت بحق ... السيدة الحلم.
سيف الماجدي
كاتب واعلامي عراقي