عظيم الأجر في اغتنام العشر
***
الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ، وبعد: فإن أيام الحياة تمضي مسرعة وهي شاهدة على أعمالنا .
فلنعتبر بمن كان معنا في رمضان الماضي ، وحال الموت بينه وبين إدراك رمضان هذا العام.
ونحن لا ندري هل نتم الشهر أم يحول بيننا وبين إتمامه الموت ؛ فعلى المسلم أن يعرف شرف الزمان وقدر الأوقات ، إنها فرصة العشرة الأخيرة من رمضان، فإن لها مزية على كل الأيام، فبها كان يجتهد خير الأنام، فقد كان يخصها بالاعتكاف ، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان » . [رواه البخاري]
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده . [رواه البخاري]
فمـــا أعظمها من سنة غفل عنها كثير من الناس، فحرموا خيرها ، ويا عجبًا لأمر المعتكف إذا عاد الناس إلى بيوتهم وشغلوا بأموالهم وأهليهم ، كأن المعتكف في بيت الله تعالى يرجو رحمته ويخشى عذابه لا يلهو ولا يلعب ولا يضيع وقته في لهو باطل ولا في خوض في أعراض الناس ، إنما هو يفكر في يوم الرحيل ، أنيسه ذكر الله وجليسه كلام الله ، يدعو ربه ويتضرع إليه ويقوم في الثلث الأخير من الليل ، وما ذاك إلا التماسًا لليلة القدر التي هي خير من حياة الإنسان كلها ، من وفق لقيامها نال المغفرة والرحمة وخرج من
ذنوبه كيوم ولدته أمه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه » . [رواه البخاري]
وما من شك أن هذه الليلة المباركة التي نزل في شأنها سورة كاملة من كتاب الله تعالى وهي سورة القدر :
{ إنا أنزلناه في ليلة القدر } هي في الليالي العشر الأخير ، من هذا الشهر الفضيل، ففي حديث أبي سلمة قوله صلى الله عليه وسلم: «إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها - أنسيتها - فالتمسوها في العشر الأواخر في
الوتر» . [رواه البخاري]
ولقد أخفى الله علمها على العباد رحمة بهم ، حتى يكثروا من الدعاء والطاعة في هذه الليالي العشر المباركة .
فقد كان هديه صلى الله عليه وسلم وهو من هو وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر الاجتهاد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها . [رواه مسلم]
بل كان صلوات الله وسلامه عليه يحب لأهله ولأمته أن لا يحرموا خير هذه الأيام، فكان لا يدع نائما يستطيع القيام إلا أيقظه، هذا ما أخبرت به زينب بنت أم سلمة رضي الله عن الجميع: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقيت من رمضان عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه». وعند البخاري قالت عائشة رضي الله عنها : « كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله».
فيا من وقر الإيمان في قلبه، اغتنم تلك المناسبة؛ عشرة أيام في آخر رمضان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها وأكثروا فيها من الدعاء خاصة ما علمنا إياه صلى الله عليه وسلم حيث سألته عائشة رضي الله عنها: «أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
[أخرجه الترمذي وصححه الألباني].
إن الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، فحري بالمسلم أن يجتهد في العشر الأواخر بالدعاء، فقد قال الله سبحانه في آيات الصيام: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ، وقال سبحانه : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } .
ولنا القدوة الحسنة في الأنبياء، فهذا يعقوب عليه السلام فقد ولده يوسف وكذا أخاه وما زاده ذلك إلا تعلقا بربه وثقة فيه وتوجها إليه، كما حكى القرآن الكريم عنه : { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم } [يوسف: 83] .
وإن من أسباب الإجابة ألا يستبطئ العبد الإجابة، قال صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي». [أخرجه الشيخان ].
كما أنه على المسلم ألا ينسى إخوانه من المساكين والفقراء، وكذا المجاهدين المخلصين في كل مكان من أرض الله، بأن يقدم لهم مما وسع الله به، وكذا ألا ينساهم من دعائه، فكم كان الدعاء سببا في انفراج كثير من الكربات وتذليل كثير من العقبات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه : أحمد يوسف عبد المجيد .
المصدر : مجلة التوحيد عدد 56 .