من أنتم يا أشباه الرجال ؟
حدثوني من أنتم ، يا من تنطقون بلغة العروبة و الإسلام ، و تعيشون في مهد الرسالات و الأنبياء ، و تتربعون على الكراسي و العروش التي رفعتكم إليها شعوبكم العربية المسلمة .. ثم إنكم تحتضنون ، بالكلاءة و الرعاية ، ممثلي الاحتلال الإسرائيلي الذي كان و لا يزال ماضياً في عمليات التقتيل و التنكيل و الإبادة و التشريد، لإخوانكم في العروبة و الدين ؟
الاحتلال الإسرائيلي يمارس هناك على أرض فلسطين حرب إبادة وحشية بأحدث الأسلحة الفتاكة ، لإخوانكم أصحاب الحق و الأرض ، و أنتم هنا بما يقوم به الخفير الذليل من حراسة سفاراته و السهر على طمأنينة التابعين فيها ، الغرباء عن شعوبكم ، و الحاقدين على دينكم و وجودكم !!..
حدثوني من أنتم ، مِنْ هذا العدد الذي أحال أرض فلسطين إلى مسلخ يسيل بدماء أهلها ، حتى أودى بكم سوء المصير إلى كل هذه الضعة و المهانة ؟!
أأنتم أصدقاؤهم المقربون .. فما لكم لا ترحلون إليهم ، و تقيمون بين ظهرانـيهم ، و تقفون معهم في خنادق التذبيح و التنكيل ذاتها ؟! ..
أم أنتم رسلهم إلينا ، تروجون لجرائمهم ، و تبررون وحشيتهم ، و تسترون قبائـحهم ؟ .. فما لكم لا تقولون ذلك بصريح القول ؟ و ما لكم لا تستهدون في ذلك صراحة بهدي أمريكا ؟! ..
أم هو المهانة و الجبن ، حلّ كل منهما من أفئدتكم و نفوسكم محلّ النخوة و الإقـدام ، فأفقدكم معنى الرجولة في نفوسكم ، و الوفاء مع شعوبكم ، و الصدق مع ربكم ؟ .. إذن فلماذا لا تتلقون دروس الرجولة و الإقدام من هؤلاء الأبطال الذين يسترخصون أرواحهم ( و هي غالية ) ثمناً لردّ غائلة العدوان ، و ضريبة لحماية الشرف ؟ ..
تعلّموا يا ذوي الأبراج العلوية المحصنة ، من هؤلاء الأبطال ... تعلموا فن التضحية و الفداء من فتيات هنّ في أعمار حفيداتكم ! .. تعلموا كيف يهون الكرسي الحقير مهما بلغت ضخامته ... و كيف تُحْتَقَرُ متع المال و الطعام و الشراب ، مهما اشتدت خلابتها ، و كيف تَرخُصُ الحياة مهما تعلقت النفس بها ، دفاعاً عن الحق و الأرض و الشرف .. تعلموا ما تجهلونه من هذا الفن ، منهم و منهن ... و لا يهولنّكم أن يكون في معلميكم فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة من العمر ، فإنّ جَهْل الرجال بهذا الفن أشدّ ذلاً و هواناً من أن يتتلمذوا في تعلم ذلك على نساء .
أم أنتم يا أيها الناس .. يا من تغلي في عروقكم دماء النخوة ، و تهتاج في نفوسكم مشاعر الانتصار لإخوانكم الذين تدور اليوم عليهم رحى الإبادة ، و لا تملكون سبيلاً مفتحة إلى ذلك .. إن عليكم أن تعلموا أن أمامكم سبيلاً مفتحة لا يملك أن يوصدها أحد .. وفِّروا اليوم كل درهم أو قرش تنفقونه في الترف أو البذخ و الكماليات ، و ابعثوا بذلك كله من خلال أقنية أمينة معروفة إلى إخوانكم الذين يتقلبون بين ماضِغَي التقتيل و الموت ، و يستنجدون و لا من منجد .
إفعلوا هذا ، و اصبروا ، فلعل الأيام القادمة أن تكرم الأمة بمثل شهامة ذاك الذي أنجد تلك المرأة التي نادت : و امعتصماه . فانتصر للحق و انتشل الشرف الجريح ... لعل معتصماً جديداً تجود به الأيام .
الشيخ الدكتور / محمد سعيد رمضان البـوطي