وامشي وحيدا في الطرقات كالتائه .. كعابر سبيل لا يعرف للراحة سكينة .. لا يعرف للسلام مكان ! ..
انظر يمينا فلا أجد سوى أشلاء .. أنظر يسارا .. لا أجد سوى ركام . وتدوم المسيرة .. ويمر شريط الذكرياات أمام عيني ..
مع كل خطوة امشيها أسمع صراخ أمي في أذني .. وكلمة اختبئوا يا أولاد .. نظرة جدتي وهي تموت .. شهيق جدي الجريح .. وابتسامة والدي الشهيد ..!
أيأس وامل من الصراخ .. وانتهت دموع عيني الدامية .. وقدمي لم تعد قادرة على الحراك .. همومي وأحزاني أثقلت جسدي .. فأصبح مثل بقية البيوت .. ركام !
وأجثو بين الحطام .. انظر الى السماء .. لا أرى الشمس .. الغيوم أصبحت سماء الرب الغاضبة .. والغروب أعلن زوال السعادة .. لم يعد في الدنيا بركة .. لم يعد في الدنيا ضياء .. لم يعد في الدنيا رحمة ! وماتت شمس الصباح .. ماتت السعادة .. في وسط النهار!
واليل يزحف كالثعبان الأسود .. يراقب فريسته الضعيفة .. وينتظر .. ينظر الي بعينيه .. يلعب بمشاعري الدفينة .. ويقف أمام قلبي .. وسلاح الليل يلعب بمشاعري .. الخوف ينسيني أحزاني .. يالسخرية .. للمرة الأولى في حياتي أدرك نعمة الخوف !
أنظر للسماء السوداء الكئيبة الملطخة بالغيوم .. والمكبلة بدخان ركام ضاحيتي النائمة .. أتاملها .. اتأمل الليل الذي قرات عنه في القصص .. الليل الذي حفظت من حكاويه الشعر .. الليل الذي كان انيس وحدتي .. الليل الذي كان حبيبتي .. الليل الذي كنت أرى وجهها فيه .. انظر الى رومانسية الليل .. فلا أرى القمر .. والغيوم باتت واهية .. أو لعلها باهتة .. الليل الرومانسي .. أصبح مسرحية مأساوية .. مسرحية ضائعة !
والليل يزحف كالثعبان الأسود .. وانا وحيد .. حتى وان أغمضت عيني .. أين الأمان ؟ حتى وان حضنت نفسي .. أين السكينة .. أين السكينة وانا أرتعد !
حضن الليالي الدافئة .. أصبح حضن القبور المظلمة! .. الشيء الوحيد الذي يفكر فيه الانسان في موقف كهذا .. هو الانتحار !
فشعور الانتقام الذي شعرت به حين ماتت عائلتي .. مات مع حزني وهمي .. مات مع خوفي وتصدعي .. مات مع شمس الصباح!
ما الذي يبقيني على قيد الحياة .. شعور غريب في القلب .. يملأ القلب كراهية وسوادا .. يجعل الدم الذي ينبض الى عروقك أسودا .. غاضبا .. متألما .. وأليما .. أليما الى أبعد الحدود .. الدم في عروقي أصبح أسودا ..
ذلك الشعور هو الذي يبقيني على قيد الحياة حتى الان .. الحقد .. يبقيني على قيد الحياة .. !
نعمة أخرى لم اكن ادرك انها نعمة .. مثل الخوف .. ! يالسخرية .. الحقد نعمة !
ويأست من جديد .. والخوف ينساب الى احشائي وكأني أشربه شربا ! .. الخوف ينسيني احزاني .. والحقد يسمم بدني .. من انا لأعيش ...؟!
أشعث الشعر .. جريح القدم .. ممزق الثياب .. رث الملابس .. والغبار يملأ وجهي .. والدم يسيل من عيني .. وجوارحي مهدومة .. جوارحي مكسورة .. وكأن حد السيف داخل أحشائي يمزقها بكل هدوء وسكينة .. وبكل متعة وتلذذ ..
من انا لأعيش ..!؟ ..
وحيث رسيت .. بدأت أحرك يدي تحت التراب .. أغمسها في التراب وأبكي .. وأصرخ من جديد، وأسمع صوتي لكل الموتى .. وأصرخ .. والليل يساعدني على الصراخ .. وظللت أغمس يدي في التراب .. وأغمسها وأغمسها وأغمسها مرات عديدة ..
حفرت قبري بيدي .. وجلست أنتظر .. انظر الى القبر وانتظر وأتساءل .. لم لا يقتلني الليل وينهي غربتي .. أم لعله يستمتع بوحدتي وخفي .. لعله يستمتع بشعوري !
وقررت الرحيل .. قررت نفض المخاوف من على ظهري .. قررت الرحيل الى عالم الأموات الهاديء .. الامن .. عالم الاموات الذي لا يعرف للخوف مكان .. قررت الانتحار ..
امسكت زجاجة .. كسرتها .. وضعت حدها على رقبتي .. ونظرت الى السماء .. نظرت الى الليل ..! وتفاجأت ..! وارتعد جسدي رعبا .. وتساؤلات طرحت على بالي .. وجدت لها جوابا الان ...
الان علمت لماذا كان القمر مختفيا .. والنجوم كانت باهتة .. علمت لماذا أظلمت الدنيا فجاة في وجهي وكأن الليل قد زحف ليأسر وحدتي كالمفترس ..!
لم يكن هناك ليل .. ولا نجوم ولا قمر .. فقد كنت في وضح النهار .. والليل لم يكن سوى كسوف الشمس لدقائق معدودة !
لم يكن سوى كسوف الشمس .. في وضح النهار ..! وتلاشت مخاوفي .. وتلاشى ضعفي وهواني وحيرتي ..
كانت رحلة طويلة الأمد .. رحلة شاقة .. مليئة بالهموم والمتاعب .. مليئة بالأحزان وفراق الأحبة .. مليئة بالماسي .. مليئة باحاسيس مختلفة لم نشهدها من قبل .. كانت رحلة شمسها غائبة .. رحلة بلا قمر .. بلا نجوم .. بلا سكينة او امان ...
لسنا سوى رحالة .. أبرياء في دنيا تملأها الحروب .. والكراهية .. حتى انا صدري امتلأ بالحقد والأنانية .. امتلأ بالكراهية!
ولكن من يدري .. ربما نعلم في يوم من الأيام أننا كنا نعيش لحظات معدودة .. في شيء سينتهي وياتي بعده الفرج !
لعل ما يحدث وما حدث وما سيحدث .. ليس سوى كسوف مؤقت .. لشمس غائبة ..!